الحيز الرقمي لصناعة صورة الدولة

التطور التكنولوجي عمل على تحويل طريقة الإتصال الإنساني بدءاً من الثورة الصناعية وحتى شبكات التواصل الإجتماعي، كذلك نوع الحرية التي كان ينشدها، الأفكار التي يتوصل إليها، والأنشطة التي يمارسها.

فالطفرة التقنية، صنعت من البشر بشراً جدد، غيرت من تركيبة الفكر والرأي والإعتقاد والإهتمام حتى وصلت لحدود الشراكة مع الأخر، واختيار الطريقة والأسلوب التي توفر لهما الرضا ليس على المستوى الشخصي، بل وعلى المستوى الدولي. التكنولوجيا وبقدرتها على ربط الجماعات الإنسانية بمختلف أطيافها في مساحة أصغر وبوسيلة كانت أقرب للخيال منها للواقع في سرعتها، ساهم في تشكيل وعي أكبر بضرورة تنظيم هذا الإتصال وتطويره فيما يعود بالنفع على الجميع. كذلك فعلت الدول حيث تقع على كاهلها مسؤولية تنظيم إتصالها بالشعوب والحكومات الأخرى بالمقابل، و حتى يبقى هذا الإتصال مستمر وحيوي كان لابد من سلك الطريق الذي يحظى بهذه الميزات وهي تكنولوجيا الإتصال وتحديداً الإنترنت، الذي يصل الشرق بالغرب بسرعة فائقة، وكذلك ماهو معمول به لدى المتلقي بالمقابل.

و كما ذكر نيكول وستكوت أن تجاهل الإنترنت يشكل خطر، وأولئك الذين يؤمنون بأن الدبلوماسية بالإمكان حملها بنفس الطريقة القديمة سيخسرون القاعدة الأساسية في مقابل الذين يفهمون ديناميات جديدة ويضعونها مكان السياسات لاستغلالها لصالحهم.

فالقطاع الرقمي في مؤسسات الدولة الخارجية، أصبح يشكل منحنى مهم في تشكيل الدولة لصورتها الذهنية لدى الدول الأخرى ومواطنيها. حيث أن المادة الرئيسية والطاقة التي تحتاجها الدول في هذا الميدان هي المعلومات، ورغبة المستخدمين للحصول عليها يتطلب من الممارسين للسياسة الخارجية تقديم أنفسهم حيث تتوفر لديهم هذه المعلومات، وأيضاً حيثما تجري مناقشة القضايا افتراضياً، وإيجاد طرق للمشاركة، وذلك جزء أساسي من القوة الناعمة و التي يحددها “ناي” في مصادر اساسية: الثقافة : حيث يمكن العثور على الجاذبية الثقافية في تاريخ الممثل للقوة الناعمة والايديولوجيا والقيم، والقيم السياسية، والسياسة الخارجية: حين يرى الاخرين أن ممثل القوة الناعمة شرعي ولديه سلطة أخلاقية. إذاً هي الثقافة والشرعية والسياسة الخارجية ما على دولة ما أن تعمل عليه لخلق قوة ناعمة تحقق لها انتصار عالمي بحصولها على تأييد دولي وشعبي على مستوى العالم. 

وتطبيقاً على المجال الرقمي، تتجانس هذه المصادر كصفات للعاملين في مجال السياسة الخارجية لدول حيث من خلال الإنترنت تعمل هذه الجهات على تقديم معلومات تحمل صبغة ثقافية وقيمية وتزود بها المتلقي بشكل غير مباشر بالقيم والتوجهات والأفكار التي ترغب الدول من خلال ممثليها في تكريسها حول الصورة الإعلامية التي تبثها من خلال قنوات الإتصال.

ففي دراسة لكرستينا ارتشتي 2012، حول ذلك ذكرت فيها بأن سفارات الدول في المملكة المتحدة، بعضها لا تحظى بتغطية إعلامية كبيرة من قبل الحكومة البريطانية، حسب مستوى الإهتمام السياسي التي توجهه نحو أي بلد أجنبي، و مثالاً على ذلك السفارة الألمانية التي عملت على إيجاد وسيلة إتصال بديلة، تمثلت بصفحة على شبكة Facebook بأسم السفارة الألمانية في لندن، حيث تضيف مشاركات يومية، تتمحور حول الأخبار عن الثقافة الألمانية والأنشطة المتصلة بذلك داخل المملكة وخارجها، الآمال والطموحات والرؤى المشتركة.

الإعلام الرقمي اضاف للعملية الدبلوماسية وغير صناعة السياسة الخارجية وترتيب عناصرها، اذ لم يعد هناك رأس هرم بالمعنى الحرفي، ولكن سلسلة العمل اصبحت كشبكة مركزية بإستطاعة الدولة الإتصال مباشرة من خلالها بأي من الحكومات او الشعوب، والتأثير بشكل أسرع وأكبر، ما يلزمها أن تهيئ مسؤوليها وتحدد لهم مقاصدها واهدافها وجمهورها التي تستهدفه، وتدرسه من جميع النواحي: الدينية والثقافية والسياسية والتاريخية، بل حتى ترتبط به عاطفياً بلغته وأنشطته التي غالباً ما يتوحد حولها، بطموحاته وأماله، وأن تربط سياستها في ذلك.

Advertisements

2 thoughts on “الحيز الرقمي لصناعة صورة الدولة”

  1. الإعلام والاتصال لم يغيرا العالم بالصورة التي تتصورين، بل هو تغيرر في بعض المنحنيات والمسارات، وإلا فبما أن الانترنت موجود فلماذا نغرق ونبحر فيه؟
    هذه وجهة نظر الملايين من الناس، فالانترنت ليس طريقة حياة جديدة خارقة، بل هو جسر لعمل أشياء ربما تكون مختلفة، لا ننكر أن لديك جانب كبير من الصواب في أن الاتصال يغير الكثير من الأشياء ولكنه يبقى أفضل من سابقيه فهو بدل أن يجعل الشخص يفكر ويصل إلى كثير من الأشياء بعد أربعين سنة كان من الممكن أن يصل لها، أصبح بإمكانه التغير والتحول بشكل أقصر وذلك أحيانا ربما يجعله يسرع من عملية التغير فتصبح طول 10 سنوات متواصلة بدل 40!!
    وهذا أفضل ،ربما!!
    ومع ذلك فإن الحيز الرقمي الواسع سيجعل من عملية التلقين والتشجير والتصنيف داخل عقول الشباب غير منطقية أو واعية بما هية تشكيل الأمور فيعيش في وهم خادع!!
    وربما أننا نحتاج الكثير لنكون في صورة منطقية كوجود إبداعي على مساحة الانترنت 🌹

    1. اهلا هلال، حقيقة لو تمعنت في ما كتبت مع خلفية حول الموضوع لادركت ان الحيز الاتصالي في هذه التدوينة موجه نحو العمل الحكومي المؤسسي للدول و هذا واقع نعيشه، وهذا ما ذكرته يعود في مجال دراستي و بحوث التي اعمل عليها، فالعمل الحكومي المؤسسي هيكليا قد شابه كثير من التغيير مع الثورة التقنية و اصبحت الدول تتسابق في حصد الاسبقية في عالم الانترنت لاثبات وجودها و جذب المستخدمين لتأييدها، فالولايات المتحدة تتصدر الموقف ممثلة بشكل محدد بوزارتها الخارجية و مشاريعها الخاصة بالتقنية حيث تعمل في احد برامجها كما كانت قد خططت له هيلاري كلنتن في التوجه نحو صغار السن و الشباب باعتبارها الشريحة الاكبر في عالم الانترنت، تغير ملامح الاتصال الحكومي التقني و اتجاهه نحو الشعوب و الافراد عملية ليست بالسهولة المتخيلة.
      لم اذكر ان الانترنت طريقة حياة جديدة خارقة غير طريقة عيشنا بالصورة التي تخيلتها لكن فعليا هو غير اسلوب تواصلنا كبشر مع بعضنا البعض و ذلك ما سهل مهمة بعض الدول في الاستفادة من الوقت التي تمضيه بين مواقع التواصل الاجتماعي لتقرا تغريدة لسفير الولايات المتحدة في مصر يمازح فيها متابعينه باللهجة المصرية!.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s