كيف تبنى وسائل الإعلام الواقع؟

 

* المقالة جزء من بحث د. نصر الدين العياضي (وسائل الإعلام واستراتيجيات البناء الاجتماعي للأزمات).

بدأت البحوث الإعلامية منذ السبعينيات تنأى عن الاتجاه الوضعي في دراسة الإعلام من خلال تركيزها على “عملية إنتاج المعنى”، وصياغة الواقع”، و”بناء الأحداث”، والتي تستلهم، بهذا القدر أو ذاك، من النظرية البنائية.

ينطلق أغلب البنائيين من المسلمة التي تنص على أن كل شيء هو تمثل”، وكل تمثل هو بناء، ويرون أن الطابع البنائي للواقع والعالم هو الشرط الأساسي الذي لا مندوحة عنه للمعرفة(17). ويذهبون في ذلك إلى التأكيد أن العرق، على سبيل المثال، ليس معطى بيولوجيا، بل بناءً اجتماعياً يشمل كل التصورات والإسقاطات الثقافية والإيديولوجية المتعلقة بالبشر نتيجة الاختلاف في لون بشرتهم. ويعتقدون أن الاقتراب المعرفي من العرق يضل طريقه، ويتحول إلى جملة من القناعات الإيديولوجية إن لم يأخذ بعين الاعتبار هذا الأمر.

وقام مؤسساً نظرية البناء الاجتماعي للواقع طوماس لوكمان وبيتر بركغر بشرح نظرية بناء الواقع بالقول أن الواقع يبرز في البداية كحقيقة مؤولة من قبل الأشخاص، فتملك معنى. لكن بعيداً عن الذاتية الفردية التي تفرزها عملية التأويل فإن الحياة اليومية توجد، أيضاً في موضعة المسارات الذاتية – أي تحويلها إلى معطى موضوعي – التي تؤسس المعنى العام أو المشترك من خلال أفكار الناس ونشاطهم الذي يحافظون عليه كواقع.(18)

وقد تسأل الفيلسوف الأمريكي جون رسيرل (John R. Searle (19 عن كيفية تحول الواقع الفيزيائي إلى واقع اجتماعي موضوعي. وقدم الإجابة عن هذا التساؤل في تصنيفه للحقائق الموجودة في الواقع الفعلي إلى صنفين: حقائق خامة توجد بشكل مستقل عن الهيئات الإنسانية، وهذا مهما كانت نيتنا أو قصدنا تجاهها. والحقائق المؤسساتية، مثل النقود، اللعب،… فهذه الحقائق لا توجد إلا بفضل المؤسسات الإنسانية وتتجسد بفضل قصدنا تجاهها. ومن هنا ينطلق ليتسأل عن دور اللسان في بناء الحقائق الاجتماعية.

يعتقد الفيلسوف المذكور أن الحقائق الاجتماعية التي توجد بفضل المؤسسات الإنسانية تشترط شرطين أساسيين، وهما: أن التمثلات تشكل الجزء التأسيسي لها، وأن التمثلات تتوقف على اللسان. فطالما توجد ضرورة منطقية لارتباط الحقائق المؤسساتية باللغة فإن الأفكار ترتبط طبيعياً بالرموز والكلمات والصور والتي بدونها يستحيل التفكير فيها. فإذا عجز الأفراد عن تمثل هذه الأحداث فلا تستطيع هذه الأخيرة أن توجد. وينتهي الفيلسوف المذكور إلى الاستخلاص التالي: إن إنتاج الأحداث المؤسساتية يرتبط بمسألة السلطة. وهذا ما يمكن أن نلتمسه في مساهمة وسائل الإعلام في البناء الاجتماعي للواقع والتي تحدث عنها الكثير من المهتمين بوسائل الإعلام.

يؤكد اللساني البريطاني روجر فولير Roger Fowler “أن الإعلام هو ممارسة وخطاب، لا يظهر الحقائق الأمبريقية بشكل محايد، بل يتدخل في البناء الاجتماعي للواقع”(20). فالاختلاف في القول يعبر عن الاختلاف في تمثل الواقع الذي تكشفه الملفوظات.

أما الباحث شرودو بارتريك Charaude au Patrick فإنه لا يرى عملية إعادة بناء الواقع، التي تتجلى في الخطاب الإعلامي، من منظور منتجه فقط، بل يراها كنتيجة تعاقد بين منتجه (الصحافي أو المؤسسة الإعلامية) والمتلقي الذي يؤوله (الجمهور). فالعناصر اللفظية والمرئية والخطية والسمعية تشكل الخطاب الإعلامي وفق الصورة التي تتخيل فيها وسائل الإعلام جمهورها، وحسب مراكز اهتمامها ووفق ظروف تأويله لها.(21)

ينطلق عالم السيمائيات الأرجنتيني Eliseo Veron في نظرته لبناء الواقع من قبل وسائل الإعلام من أطروحة الوساطة التي تقوم بها وسائل الإعلام بين الواقع والجمهور. حيث يرى أن وسائل الإعلام لا تعكس موضوعياً الواقع، لكنها تقدم تمثلاً للواقع. فالأحداث لا تولد كمنتج من منتجات وسائل الإعلام فحسب، بل كبناء اجتماعي للتمثل الإعلامي للأحداث.(22)

ولئن كان القول بأن الإعلام في عصرنا الحالي هو معطى مبني اجتماعياً لا يثير أي جدل أو اعتراض إلا أنه يحفز النقاش على مستويين، على الأقل، وهما:

1- يكاد مفهوم البناء الاجتماعي يتحول إلى مودة شائعة في الدراسات الاجتماعية لأنه يقدم الإنارة التي يمكن أن تسلط الضوء على بعض الظواهر الاجتماعية حيث زال الاعتقاد بصحة الفكرة التي مفادها أن الوقائع الاجتماعية موجودة بشكل منفصل عن ذات الباحث والمبحوثين، وكحقيقة جاهزة لا تكلف الباحث أي جهد سوى “انتزاعها” من الواقع. لكن مفهوم “البناء الاجتماعي” نقل النقاش من الصعيد الأمبريقي إلى الصعيد النظري، وأعطى شرعية للسؤال المتعلق بالبعد الفلسفي للبنائية، حيث شكك (Gilles Gauthier(23، وهو أحد المعارضين للنظرية البنائية في مجال الإعلام، في النتائج التي توصلت إليها البنائية في الدراسات الإعلامية، وذلك لأنه فهم بأن ما تبثه وسائل الإعلام أو تنشره يعد مبنياً اجتماعياً مرتين. ويوضح ذلك بالقول أن الواقع الاجتماعي يعد، مبدئياً، مبنياً حسب البنائيين، ثم تتدخل وسائل الإعلام لتعيد بناءه مرة أخرى. فمن نتائج التسليم بصحة هذا الأمر أنه يطمس التمييز بين الحقائق المؤسساتية وغير المؤسساتية التي ذكرناها أعلاه. ويتجاهل أن المنتج الصحفي يكون مبنياً لأنه يشكل جزءاً من الواقع الاجتماعي المبني، من جهة. ويمنح، من جهة أخرى، الشرعية للتجاوزات والاختراقات في الممارسة الإعلامية التي تضحي بالمعايير المهنية والأخلاقية، مثل الصدق، والإنصاق، والمسئولية، والدقة، وغيرها.

2- إن القول بأن الخطاب الإعلامي هو نتاج عملية بناء اجتماعي أصبح من مسلمات البحث الإعلامي المعاصر. وهذا الأمر يحث على النقاش حول استراتيجيات وآليات هذا البناء في مجال الإعلام الذي تتداخل حدوده مع المجال السياسي والإيديولوجي، واللساني على وجه الخصوص لأنه يتعاطى مع الإعلام كنص أو مادة سردية، كما تكشف عن ذلك الدراسات السيمائية للإعلام التي أنجزها العديد من الباحثين، مثل: رولان بارث (1964، 1966)، بول عطا الله (1991)، فريون إلينسيو (1994)، وإريك سكيولي (1994) جوست فرنسوا وبنافوس سيمون (2000)، وسمير بدير (2007).

ترى الباحثة المكسيكية Bertriz Padilla Villarreal أن وسائل الإعلام تبني الواقع من خلال استراتيجية ترتكز على العناصر التالية: التشخيص Personification، والإثارة Sensationalism، والاقتتال Bellicising والأسطرة Mythification(24).

ويقصد بالتشخيص سرد الأحداث عبر الشخصيات التي تعتقد وسائل الإعلام أنها تقوم بدور استثنائي في حدوثها. وينتهي هذا السرد، في الغالب، باختصار هذه الأحداث والوقائع في بعض الشخصيات، وبالتالي تبسيطها إن لم يكن تسطيحها. وقد عالج كل من ميغل بنسفاغ وفلورنس أوبان، بتفصيل، هذه الاستراتيجية في كتابهما الخاص بالصحافيين وإيديولوجية الاتصال.(25)

الإثارة: تعرف الإثارة بأنها “المعادل الدرامي للإعلام”.(26) فهي تصور متكامل لماهية الصحافة وجمهورها ودورها، وتستند في وجودها، حسب الباحثة المذكورة، إلى مجموعة من العناصر وهي: القطيعة مع الوضع القائم، أي الخروج عن المألوف والانزياح عن ما هو عادي، والصراع الذي يحتوي على قدر من التنافس والغلبة والإقصاء الذي يقود إلى العنف ثم الموت.

الاقتتال: تلجأ وسائل الإعلام في بنائها للأحداث إلى الاستعارات المستقاة من الحرب، هذا ما نلاحظه، على سبيل المثال، في سرد وقائع المقابلات الرياضية فالتفوق يتحول إلى سحق الخصم، وتسديد الكرة تتحول إلى ضربة صاروخية، ومراوغة اللاعب تتحول إلى مناورة الفريق، والخسارة تتحول إلى انهزام، والمباراة تتحول إلى تصفيات، وغيرها. بالفعل، إن هذه الاستعارات تقولب الأحداث وتنمطها وتحولها إلى مادة للاقتتال تشد الانتباه والأعصاب، وتخلق اصطفافاً لدى جمهور وسائل الإعلام. وتجعل من هذه الأحداث، في أخر المطاف، مادة للفرجة وحتى النزاع، وتسحبها من ساحة الفهم، والاستيعاب والتأمل.

الأسطرة: يرى عالم الاجتماع الروماني كمو ميهي Coman, Mihai أن الدراسات الأنثروبولوجية يجب أن تتجاوز الوساطة الإعلامية للأحداث، أي التغطية الإعلامية لها، وتطرح على مستوى الرؤية للبناء الإعلامي للواقع بواسطة الطقوس والأسطورة. فوسائل الإعلام توظف الأساطير والسرديات لإعطاء معنى للأحداث حتى وإن كان هذا التوظيف يؤدي إلى اختصارها وسجنها في صور نمطية.(27)

قد تبدو هذه الإستراتيجية غير إجرائية في قيام وسائل الإعلام ببناء الواقع لأنها تتمحور حول تمثل المؤسسة الإعلامية ومنتجي خطابها في تمثلها للواقع فقط، وبالتالي تقصي الجمهور من هذا البناء، لأن قصد الرسالة الإعلامية كما صاغه منتجها (الصحافي والمؤسسة الإعلامية) لا يعني بالضرورة تطابقه مع قصد الجمهور من تعرضه للوسيلة الإعلامية ومتابعة مضامين ما تبثه. فالجمهور، الذي كان يوصف في السابق، بدون ترو ولا دراسة دقيقة، أنه متلقى سلبي قد برز في العصر الحالي كفاعل نشيط مشارك في إنتاج المعنى من مادة الاتصال.

لم تقص الباحثة المكسيكية الجمهور في الإستراتيجية التي تحدثت عنها واعتبرته شريكاً في عملية بناء الواقع من خلال تأكيدها على أن تلقى الخطاب الإعلامي لا يمكن اختصاره في فك رموزه اللسانية والمرئية والسمعية فقط، بل يشترط جملة من الدوال (جمع دال) المرتبطة بالتمثلات، والأثر العاطفي، واستتباعاته الفعلية، وردات الفعل الدفاعية التي يثيرها لدى المتلقي حسب مخطط تأويله.(28)

وسائل الإعلام وفيروس H1N1: من الحدث إلى الأزمة؟

بعد أن انقضت سنوات على نشر خبر انتشار فيروس H1N1 في المكسيك، اتضح أن الإعلام أعطى لهذا الحدث أبعاداً كبرى غريبة عنه. فبدون الانسياق وراء نظرية المؤامرة، يمكن أن نتسأل: كيف أفلحت وسائل الإعلام في تحويل حدث انتشار فيروس الأنفلونزا إلى أزمة عالمية؟ وكيف بنت هذه الأزمة، وما هي الإستراتيجية التي وظفتها في ذلك؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال يجب الاستعراض الوقائعي لانتشار الفيروس والاحتياطات التي اتخذت للوقاية منه، لمعرفة الاتجاه الخطي لنموه في وسائل الإعلام، التي أسقطت، مسبقاً، كل تصريح مخالف له أو مشكك فيه.

مارس 2009: إصابة عدد من المكسيكيين بضيق حاد في التنفس نتيجة عدوى مرضية

13 أبريل 2009: وفاة أول شخص في جنوب المكسيك

24 أبريل: منظمة الصحة العالمية تعلن عن كشف عن مئات الإصابات في المكسيك والولايات المتحدة الأمريكية.

26 أبريل: الحيطة تزداد في العالم ومنظمة الصحة العالمية تعلن عن انتقال المرض من الإنسان إلى الإنسان. وتؤكد أن الفيروس H1N1 اتضح أنه أكثر خطورة.

27 أبريل: منظمة الصحة العالمية ترتفع درجة الطوارئ من 3 إلى 4 في سلم يتشكل من 6 درجات بعد أن انتقلت العدوى إلى أوروبا، حيث ظهرت إصابات في إسبانيا وبريطانيا.

28 أبريل: انتقال المرض إلى أمريكا الوسطى والشرق الأوسط

29 أبريل: أول إصابة مميتة في الولايات المتحدة، ووفاة رضيع في المكسيك

30 أبريل: منظمة الصحة العالمية تسمى فيروس H1N1 بدل أنفلونزا الخنازير

2 مايو: انتقال المرض إلى آسيا.

22 مايو: منظمة الصحة العالمية تحذر من أن فيروس H1N1 يكون أكثر خطورة في الدول النامية.

2 يونيو: ظهور المرض في مصر

11 يونيو: منظمة الصحة العالمية ترفع درجة الطوارئ إلى 6

24: يونيو: بداية شراء كميات هائلة من الكمامات وارتدائها.

25 يونيو: منظمة الطيران المدني تعلن عن انخفاض هائل في عدد المسافرين بسبب الفيروس المذكور.

1 يوليو: التشدد في تطبيق مخططات الوقاية من الفيروس في العديد من دول العالم.

أغسطس: أخبار متفرقة عن وفيات بسبب الفيروس المذكور في بعض دول العالم.

29 سبتمبر: موافقة أوروبا على تسويق اللقاح المضاد للفيروس المذكور،

30 أكتوبر: منظمة الصحة العالمية تعلن أن عدد الوفيات قد بلغ 5700 شحصاً منذ ظهور الوباء في شهر مارس مع زيادة بنسبة 14% خلال أسبوع.

5 مارس 2010: بلغ عدد ضحايا هذا الوباء 16455.

إن عدد الوفيات بفيروس H1N1 لا يمكن مقارنته، بأي شكل من الأشكال، بضحايا السرطان، أو مرض الإيدز في العالم، أو أي وباء أخر يصيب الدول النامية، إذا كيف انتقلت وسائل الإعلام من الإخبار عن الوباء إلى بناء أزمة.

إن الحديث عن الأزمة في وسائل الإعلام لا يشترط طريقة من الوصف والنظر للواقع فقط، بل يتطلب بناء واقع جديد، وهذا ما سنكشفه من خلال النقاط التالية:

– الإثارة: سعت وسائل الإعلام منذ ظهور الفيروس في مارس 2009، بالمكسيك، إلى التركيز المبالغ فيه على الفيروس وخطورته غير المسبوقة التي يمكن أن تبيد نصف البشرية! ويمكن أن نورد في هذا الصدد التصريح الذي أدلى به البروفسور نيل فورغسن، عضو فريق العمل الخاص بفيروس H1N1 لدى المنظمة العالمية للصحة في ناهية شهر أبريل 2009، حيث أكد فيه أن ما بين 30 إلى 40% من البشر سيصابون بهذا الفيروس إذا تفشى الوباء في الأشهر الستة القادمة، وأن عدد المصابين سيرتفع في الأسابيع القادمة، ومن المحتمل أن تكون 152 حالة وفاة بهذا الفيروس في المكسيك عدداً متواضعاً مقارنة بعدد المصابين. ويرشح ارتفاع في عدد الوفيات ليصل إلى عشرات أو مئات الآلاف.(29)

وقامت وسائل الإعلام المختلفة بتجميع الأخبار المتفرقة والمتناقضة عن الفيروس المذكور في عدة مناطق من العالم التي تدعو إلى التهويل. وكثفت الحديث عن الاستعدادات العالمية لمكافحته: (غلق المدارس، والدعوة إلى تجنب الأماكن العامة والاختلاط بالبشر، والعزوف عن السفر في وسائل النقل الجماعي، وتعميم صور الكمامات في المطارات والمواني، وإعلان حالة الطوارئ في المستشفيات، والنقل الدرامي لآلام المصابين وذويهم)، وغيرها. وشددت، عبر كل هذا، على عنصر الصراع: الصراع من أجل البقاء. والصراع ضد الوباء والصراع الذي يغذي المخاوف، وإحداث قطيعة مع ما هو مألوف في الحياة العامة: الدعوة لتغيير نمط الأكل بتفضيل المواد الحاملة للفيتامينات المقوية لمقاومة الأنفلونزا تغيير العادات والطقوس الاجتماعية (المصافحة، والتقبيل…) التقليل من الحركة والمبالغة في الاستعدادات الطبية لمكافحة المرض: فتح عيادات طوارئ وإنشاء مختبرات طبية في المناطق الموبوءة، ومنح قروض مالية للدول العاجزة عن شراء المستلزمات الطبية الضرورية إبادة قطيع الخنازير في بعض الدول، وغيرها..

لقد بينت الخبرة العلمية بأن تحليل الخطاب الصحفي علم يهتم، بمحتوى الكلمات في ذاتها بشكل أقل من اهتمامه بالاستراتيجيات التي من المفروض أن يحققها في إطار الممارسة الإعلامية.(30)

لقد أفلحت الإثارة في خلق حالة من الذعر ليس في المناطق الموبوءة فقط، بل في كل الدول، ولا يخفي على أحد أن الذعر هو جملة من ردات الفعل الفردية التي تتشابه فيما بينها. إنها تتشابه ليس لكونها تؤثر فيما بينها وتتحول إلى تقليد، بل لأن كل رد فعل هو استجابة نمطية ومنمطة تجاه وضع معين.(31) والذعر يحيد الفكر ويغيبه. وهذا ما تسعى إليه الإثارة.

الترقب: المعلومات التي ظلت وسائل الإعلام تكررها باستمرار لم تتسم بالحسم واليقين، بل كانت تترك الجمهور في حالة قلق وانتظار الغد. إن السبب في ذلك لا يكمن في أن وسائل الإعلام لا تملك من المصادر والمعلومات الموثوق في صحته، والتي تشكك في عدد المصابين، وفي الطرق المعتمدة في إحصائهم. ففي هذا الصدد يقول أحد الصحافيين ما يلي: إن نموذج الإحصاء لعدد الأشخاص المصابين بالفيروس المذكور لا يستند إلى فحوصات الأطباء العامين بل يعتمد على مراكز الاتصال الهاتفي call – center التي تسجل آلياً عدد المتصلين وتحصيهم كمرضى، مهما كان سبب اتصالهم.(32) والنتيجة أن هذا الانتظار لا يكلل باليقين والحجج الدامغة، بل يولد انتظاراً جديداً، وهذا ما تستخدمه بإتقان الفنون الدرامية: الأفلام والروايات.

لاحظنا أيضاً وطأة الترقب من الأخبار المتسربة عن اللقاح الذي شابه الغموض والتضارب: عجز ما هو موجود من لقاح في السوق عن العلاج من الفيروس المذكور، ضرورة الانتظار شهرين على الأقل لتنتهي المختبرات من صناعة اللقاح المناسب، نقص كميات اللقاح المصنعة لحد الآن عن سد الحاجة، شراء كميات هائلة من اللقاح الجديد، والشروع في التلقيح مع الإشارة إلى الأنباء المتضاربة عن أعراضه الجانبية، وحتى عن الوفيات بسببه، والانتظار من جديد لتحسين اللقاح…

الأسطرة: لا يمكن أن نفهم الوساطة التي تقوم بها وسائل الإعلام بين الواقع والجمهور دون الأخذ بعين الاعتبار أنها منتجة للخطاب حول الأحداث التي تمس جمهورها. فهذا الخطاب يتغذى من الاستعارات.

يعد أرسطو أول من أعطى معنى لكلمة “استعارة” في “علم العروض” و”علم البلاغة” على السواء. وقد شدد في تعريفه على أن الاستعارة ليست صورة بيانية تستخدم للتزيين المحض، بل إنها شكل من أشكال المعرفة. ورغم هذا التعريف ظل الاعتقاد، لعقود عديدة بعد أرسطو، أن الاستعارة هي صورة بيانية تجمل الحديث فقط ولا تغير في جوهره. قد يؤيد البعض بأن هذه هي وظيفتها في عصرنا. فأرسطو يعتقد أن الاستعارة هي نوع من العلم الذي لا يستلزم اكتشاف شيء مجهول، وإنما ابتكار طريقة جديدة للنظر إلى الأشياء.(33)

والأساطير والسرديات التي نسجت حول الوباء المذكور وغيره من الأوبئة المشابهة أو المتقاربة تصبح البديل الإعلامي للوقائع الحاضرة. هذا البديل يقترح رؤية أخرى تقربنا من المعنى مما يجري. ففي هذا الإطار يحيل الحديث عن الفيروس المذكور إلى “أنفلونزا” التي جرت في 1918، وسميت الحمى المالطية والتي أدت إلى وفاة 40 مليون مصاب، ووباء الأنفلونزا التي سميت بالإسبانية والتي جرت في 1957 والتي أودت بحياة 4 ملايين شخص في العالم، وأنفلونزا “هونغ كونغ” في 1968 وقتلت مليوني شخص.

إن الإحالة إلى التواريخ المختلفة بكل ما تحمله من ثقل ميثولوجي لا تستهدف شرح ما يجري الآن نتيجة الفيروس المذكور، لأنه لو كان هذا هو الغرض من الإحالة لتم الاستشهاد بالأنفلونزا الأحدث والأقرب تاريخياً للجمهور، والتي انتشرت في الولايات المتحدة الأمريكية في 1976.

إن الإحالة إلى التاريخ توحي ضمنياً بالتشابه، أو حتى التطابق بين الأوبئة القديمة والحالية، دون الإشارة إلى أن عدد القتلى بأوبئة الأنفلونزا المذكورة قد أخذت منحى تنازلياً، وإن البشرية في 2010 هي أكثر تسلحاً من 1918 على الصعيد العلمي والثقافي، وعلى مستوى الإمكانيات العلمية والبشرية والمادية والتنظيمية، وفي مجال الخبرة. إن التأكيد هذا الأمر لا يتماشى والمنطق الذي بنيت على أساسه أزمة الأنفلونزا في 2009.

إن النظر إلى إستراتيجية بناء أزمة الأنفلونزا على المستوى الموضوعي والذاتي والرمزي تكشف أن الصحافيين لا يظهرون كأنهم المنتجين الفعليين للإعلام، بل تبرزهم كمنخرطين في السديم الإعلامي/ السياسي/ الطبي/ الصيدلاني الذي أخذ بعين الاعتبار الفكرة التي مفادها أن كل حديث عن الوباء يجعل الجمهور معنياً به بالضرورة. واتكأت على الشعور العام الذي يحرك سلوك الجمهور والنابع من ثقافته وحياته الجماعية.

فالبشرية في مطلع الألفية الحالية تعيش قلقاً وجودياً نتيجة الحيرة والشك في المثل الكبرى والسرديات التي تحكمت في تصورها للكون والمجتمع والعلاقات الاجتماعية نتيجة استشراء الحروب والعنف في المجتمع، والقنوط من التغيير، مما يعطي شرعية للوصف الذي قدمه الفيلسوف ميشال سار Michel Serres لما تعانيه البشرية اليوم، إذ قال أنها تعيش عملية إخراجية “للخوف.(34)

إذا يصعب تمثل الأزمة بدون ربطها بالخوف الذي تحول إلى موضوع للتفكير في العديد من الحقول المعرفية: علم النفس، علم الاجتماع، والعلوم السياسية، وعلم التربية، وعلم الاتصال، حيث يقول عنه مدير معهد الصحافة والإعلام بجامعة نشطال السويسرية أنه أصبح رابطاً اجتماعياً لمواجهة مختلف الأخطار التي امتدت إلى المجالات المختلفة التي تأسس مما يلي:(35)

الخوف من الآخر: إن جهل الآخر، والتنكر لخصوصيته، واختلافه يولد الخوف منه، في مجتمع يعاني من ضعف الأمن وحماية الأشخاص وممتلكاتهم، وفي مجتمع قائم على المنافسة الشديدة والتزاحم من أجل الحصول على منصب عمل، أو إنشاء مشروع استثماري والحفاظ عليه، أو تقديم مشروع علمي أو ثقافي….

الخوف من الموت: لم يتمكن التقدم العلمي الذي أحرزته البشرية، خاصة في مجال الطب، إضافة إلى تزايد الاعتمادات المالية الموجهة لقطاع الصحة من تخفيف الخوف من المرض والموت، الذي ما زال يثير الكثير من الفزع والجزع.

الخوف من الفقدان: الخوف من فقدان الصحة، والحب، ومنصب العمل، والسكن، والخوف من الفقر والعوز. هذا الخوف أفرز، عبر تراكمه، حالة من القلق وسلوكاً عدوانياً، وحتى عنيفاً.

الخوف من التغيير بفعل عوامل خارجية بعيدة عن السيطرة مما يدعو إلى القطيعة على ما تعودنا عليه، والذي كان مصدر الإحساس بالأمان. ولعل هذا الخوف ينبع أصلاً من الخشية من المستقبل الذي أصبح من الصعب التنبؤ به، ناهيك عن التحكم فيه أو السيطرة عليه.

يعتقد البعض أن تمثل أنفلونزا الخنازير، لم تشارك في إنتاجه وسائل الإعلام الكلاسيكية فقط، بل شارك فيه الإعلام الجديد New Media، وهذا الاعتقاد لا يجانب الصواب قط، لكنه يحتاج إلى توضيح نراه ضرورياً. فلا يمكن أن نتصور أن الإعلام الكلاسيكي والإعلام الجديد يعيشان في قارتين مختلفتين، فلهما وشائج قوية. لذا، فإن القسم الأكبر من الجمهور يستطيع أن يطلع على الأحداث ويشارك فيها، من خلال “الانجذاب” Osmosis، أي ليس نتيجة تعرضه مباشرة لوسائل الإعلام، بل من خلال ما تختطفه عينه من صور وحروف، وما يلتقط سمعه من كلمات وجمل عن الأحداث من سيل الإعلام الجارف، الذي لا زالت وسائل الإعلام تشكل لحمته الأساسية.

وسائل الإعلام وتلوث خليج المكسيك: تحويل الكارثة الإيكولوجية إلى حدث.

من يقرأ البرقية التي أرسلها مراسل وكالة الأنباء الفرنسية من “نيو اورلينز” بالولايات المتحدة، غداة الحريق الذي شب بمنصبة النفط في عرض خليج المكسيك، أي يوم 14 أبريل الماضي 2010، لا يشعر بحجم الكارثة البيئية التي تجري في خليج المكسيك. ولا ينتابه أي قلق لأن البرقية المذكورة تؤكد أنه لم يسجل أي تسرب للنفط. وتؤكد أنه إذا حدث ذلك، وهذا مستبعد، فإن الإمكانيات متوفرة وجاهزة لمواجهته. ( البرقية مرفقة بالبحث).

إن الدعوة للاطمئنان التي نستخلصها من هذه البرقية تظل ذاتها في الأخبار التي أعلنت عن سد الفوهة التي يتسرب منها النفط يوم 5 أغسطس 2010.

فما هي الإستراتيجية التي اعتمدت عليها وسائل الإعلام في بناء تلوث خليج المكسيك في أبريل 2010، وأدت إلى التقليل من شأن حريق المنصة النفطية، واستصغار تداعياته الاقتصادية، والبيئية، والسياسية، والأخلاقية؟ يمكن توضيح هذه الإستراتيجية في النقاط التالية:

1-تجنب الإثارة: لم تلجأ وسائل الإعلام إلى أسلوب الإثارة لبناء الحدث بشكل درامي، فلم تتطرق إلى العمال الذين ماتوا جزاء الحريق الذي شب في منصة استخراج النفط في خليج المكسيك ولا لوضعهم الاجتماعي، ولا ظروف عملهم في عرض البحر ولا جنسياتهم ولا سنهم ولا حالة أهلهم. لقد تحولوا إلى مجرد أرقام فقط: 11 عاملاً لقوا حتفهم في الحادث. كذلك الأمر بالنسبة للناجين الذين أصيبوا بجروح وحروق خطيرة. ولم تسرد تفاصيل الحياة الدرامية التي يعيشها الصيادون الذين وجدوا أنفسهم في بطالة إجبارية. لقد قضت وسائل الإعلام على كل بعد درامي في الحدث من خلال التأكيد أن شركة برتيس بتروليوم قامت بتشغيل الصيادين الراغبين في تطهير الشواطئ من زبد النفط، ودفعت لكل صياد خمسة آلاف دولار كتعويض جزافي عن فقدان مصدر رزقه، هذا دون الإشارة إلى أن هذا التعويض تم مقابل أن يلتزم كل مستفيد، خطيا، بعدم رفع دعوى قضائية ضد الشركة المذكورة!

لم تتطرق وسائل الإعلام للحدث عبر تشخيصه بأسماء الشخصيات، وحتى الشركة: فرغم أن الكل يعلم بأن المسئولية تقع أولاً وقبل كل شيء على الشركة النفطية برتيش بتروليوم إلا أن برقية وكالة الأنباء الفرنسية المذكورة أعلاه حاولت إعفاء الشركة المذكورة من المسؤولية بالقول أنها استأجرت المنصة، أي بمعنى آخر أن من يستأجر ليس مسئولاً عن وضع ما استأجره! فاسم الشركة المذكورة لا يظهر في وسائل الإعلام إلا عندما تؤكد أنها ستعوض أو عوضت الشركات المتضررة من الحادث، أو تقوم بمكافحة التلوث الذي انجر عن تسرب بقع النفط في عرض البحر واتجاهها إلى الشواطئ.

2- عدم تحديد المسئولية عن الحدث ولا أسباب وقوعه. لم تنصرف المؤسسات الإعلامية إلى البحث عن سبب هذه الكارثة، والتساؤل عن عدم تدخل تجهيزات الأمن لسد فوهة البئر عن احتراق المنصة مباشرة؟ لعل القارئ الكريم يتذكر جيداً أن وسائل الإعلام تتدافع، بقوة، لشرح أسباب وقوع أي كارثة جوية بسيطة، فتخصص لها العديد من التحليلات والتعليقات، وتسأل مسؤول شركة الطيران المعنية، وخبراء الملاحة الجوية، ومسئولي الأمن في المطارات، وغيرهم. لكن في هذه الأزمة قفزت وسائل الإعلام من الإجابة على السؤالين: من المسؤول عما جرى؟ ولماذا جرى ما جرى؟ إلى نقل انشغالات الشركة المذكورة وتأكيداتها أن الأهم هو التحكم في أثار ما جرى.

3- غرس الطمأنينة في نفوس الجمهور والمستثمرين:

قدمت وسائل الإعلام الحريق المذكور على أنه أمر عارض حدث ويحدث في الكثير من أبار النفط سواء في البر أو البحر. ففي الوقت الذي امتدت فيه بقعة النفط لتهدد ولاية “لويزيانا” و”فلوريدا” و”الامبا” و”الميسيسيبي”، والمدن التي تشكل القلب السياسي والاجتماعي والثقافي للولايات المتحدة الأمريكية، مثل بوسطن، ونيويورك، وواشنطن، وفلادليفيا، ظلت وسائل الإعلام تؤكد بأن التحكم في النفط المتدفق من البئر في متناول اليد، وأن كل الإجراءات اتخذت لاحتوائه.

بدأت العديد من وسائل الإعلام تؤكد، منذ 14 أبريل إلى غاية 5 أغسطس، أن الأمور تسير نحو التحكم التام في تسرب النفط وامتداد بقعته في البحر. فرغم تسرب المعلومات التي تشير إلى ظهور عيون جديدة للبئر يتدفق منها النفط، ظلت وسائل الإعلام تؤكد السيطرة على الحادث تارة من خلال تجنيد أسطول بحري لامتصاص بقعة النفط في خليج المكسيك، وطورا عبر إرسال “روبرت” لغلق البئر، ثم حشو فم البئر في المفتوح بكبسولة، وضخ مواد كيماوية وإسمنتية لتشميع فوهة البئر، ووضع سدة من الأسمنت تزن 70 طناً لغلقه نهائياً. لقد غرقت وسائل الإعلام في هذه المعلومات المزودة برسوم الغرافيكس فاستنفدت وقتها بالشرح والتفسير، وتناست الإشارة الصريحة إلى فشل المحاولات المتلاحقة الواحدة تلو الأخرى. لكن الغريب أنه رغم الفشل المتلاحق للمحاولات المتكررة إلا أن وسائل الإعلام لم تلجأ إلى الترقب خوفاً من أن هذا الأخير يؤدي بالجمهور إلى القلق. لقد كانت تقدم كل محاولة على أنها ستكون مضمونة النجاح.

4- عدم اللجوء إلى الاستعارة والأساطير: لوصف أثار التلوث النفطي في خليج المكسيك ذكر الرئيس الأمريكي أوباما بأنه “مثلما أحدث 11 سبتمبر تغيرا في نظرتنا لضعفنا، وسياسيتنا الخارجية نعتقد أن كارثة خليج المكسيك تمثل 11 سبتمبر بيئي يدفعنا إلى إعادة التفكير في سياستنا البيئية والطاقوية في السنوات القادمة.(36) لكن وسائل الإعلام لم توظف هذه الاستعارة للحديث عن أبعاد حريق المنصة المذكورة، ولم تستعن بالأحداث التاريخية وحمولاتها من السرديات. نعم لقد أشارت إلى أثار هذه الكارثة تتجاوز الكارثة التي أحدثها غرق ناقلة النفط “اكسون فالديز” Exon Valdez في سواحل ألاسكا في 1989 لكنها لم تكشف عن حجم التلوث الناجم عن تسرب أربعين مليون لتر من النفط من هذه الناقلة، والتي لطخت مسافة 1300 كيلو متر من مياه البحر. ولم تشر إلى المعارك القضائية التي استمرت سنوات للتعويض عن الضرر الذي أصاب العباد والبيئة، وعن الثروة السمكية التي أبيدت. فمجرد الإشارة إلى كل هذه الأمور يشعر الجمهور أنه معني بكارثة تلوث خليج المكسيك.

5- استبعاد الجمهور عن الحدث: في ظل العولمة التي أعطت لكل حدث محلي بعداً كونياً نلاحظ إصرار العديد من وسائل الإعلام على حصر الكارثة المذكورة على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية. فالقرار الذي اتخذه الرئيس الأمريكي، على إثر هذه الكارثة، والمتمثل في تجميد التنقيب عن البترول في السواحل الأمريكية، لا يمس العصب الحساس في الاقتصاد الأمريكي فقط، بل يمس الاقتصاد العالمي أيضاً. فالشركات النفطية التي تنقب عن النفط وتستخرجه من بحر الشمال قد تعدت المئات، بل توجد في خليج المكسيك وحده حوالي ثلاثة آلاف منصة نفط، تنتج حالياً 1.6 مليون برميل نفط يومياً. لقد كثفت الدول الغربية والشركات النفطية عملية التنقيب عن النفط في أعماق البحار واستغلاله كاستجابة لتداعيات الأزمة النفطية في 1973. لهذه الأسباب يبدو أن تسرب النفط في خليج المكسيك قضية خطيرة وحساسة على الصعيد الاقتصادي والبيئي.

وقد عملت وسائل الإعلام على استبعاد الأزمة من اهتمامات الجمهور، وعدم الإشارة لا من قريب أو بعيد إلى تأثيرها على حياة الأشخاص وعلى التوازن البيئي والتنمية المستدامة التي تهم كل الكائنات الحية.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s